Categories
Uncategorized

حرب عيد الغفران اليوم

Stars and Symbols. Illustration by Nerosunero, courtesy of nerosunero/Flickr

مدريد ــ في إسرائيل عموما، يتسم اقتراب الذكرى الأربعين لحرب يوم كيبور (حرب عيد الغفران، أو حرب أكتوبر)، التي تحل في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، باحتدام المناقشة المتكررة حول فشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في اكتشاف وإحباط الهجوم المصري المفاجئ. بيد أن الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل في أكتوبر 1973 سياسي أكثر من كونه عسكريا، واستراتيجي أكثر من كونه تكتيكيا ــ وبالتالي فإن هذا الخطأ يتصل بشكل خاص بما يجري اليوم، في وقت حيث ينبغي لإسرائيل أن تتبنى سياسة سلام قوية كركيزة أساسية لعقيدتها الأمنية.

كانت حرب يوم الغفران، في نواح كثيرة، عقاباً لإسرائيل على غطرستها في مرحلة ما بعد 1967 ــ والغطرسة توَلِّد الأعداء دوما. الواقع أن هزيمة مصر في حرب الأيام الستة في يونيو/حزيران 1967 كانت ساحقة ومدوية، حتى أن قادة إسرائيل استبعدوا تماماً الحاجة إلى العمل الاستباقي في السعي إلى السلام. وكانوا حريصين على تشجيع مزاج وطني مستغرق في الاسترخاء والرضا عن الذات استراتيجيا، فتسلل هذا المزاج إلى المؤسسة العسكرية بقدر ما تأثر بها، الأمر الذي مهد الطريق لنجاح ممارسات مصر في فن الخداع التكتيكي.

قال موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك: “نحن في انتظار مكالمة هاتفية من العرب. غير أننا لن نخطو من تلقاء أنفسنا أي خطوة. فنحن سعداء تماماً بالوضع الحالي. وإذا كان هناك ما يزعج العرب فإنهم يعرفون أين يجدوننا”. ولكن عندما أجرى الرئيس أنور السادات المكالمة أخيراً في فبراير/شباط 1971 ومرة أخرى في أوائل عام 1973، عارضاً مبادرات سلام جريئة، فإن خط إسرائيل كان إما مشغولاً أو لم يكلف أحد على الجانب الإسرائيلي نفسه عناء التقاط سماعة الهاتف.

لقد جلبت حرب الأيام الستة على إسرائيل الانحطاط الأخلاقي والسياسي، وحولت المزاج الوطني على النحو الذي جعل السلام مسعى مستحيلا. كان زعماء إسرائيل مخمورين بالنصر، وعاجزين بشكل متزايد عن تمييز الفارق بين الأساطير اليهودية المسيحية والظروف الموضوعية، حتى أنهم فقدوا أي اتصال بالواقع. ووقع الجميع في حب المكسب الفجائي من الأرض التي امتدت من نهر الأردن في الشرق إلى قناة السويس في الغرب، ومن جبل حرمون (جبل الشيخ) في الشمال إلى شرم الشيخ في الجنوب.

لقد أعمت عربدة التفوق السياسي والعسكري بعد عام 1967 زعماء إسرائيل عن فرص السلام التي خلقتها المنجزات العسكرية الخاطفة. فأهدروا الفرصة لتحويل النجاح التكتيكي إلى انتصار استراتيجي جوهري للصهيونية في هيئة تسوية سياسية مع قسم كبير من العالم العربي.

كانت هزيمة الجيوش العربية في عام 1967 توطئة لتحول جوهري في بنية الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن زعماء إسرائيل إما أساءوا قراءة الأمر برمته أو تجاهلوه. فالآن لم تعد السياسة العربية المتمثلة في شعار “إزالة آثار العدوان” تنطبق على فتوحات إسرائيل في عام 1948، بل على الأراضي التي احتلتها بعد حرب الأيام الستة. ولكن بدلاً من اغتنام الفرصة التي أتاحها هذا التحول لإضفاء الشرعية على ميلادها في أعين جيرانها العرب، فَضَّلَت إسرائيل إعادة فتح المناقشة الهامدة حول الأهداف الإقليمية للصهيونية.

من الصعب أن نتخيل فجوة أعظم من تلك التي كانت قائمة بين السادات، رجل الدولة المبدع البعيد النظر، وحكومة رئيسة الوزراء جولدا مائير الجامدة. فما كانت مائير لتوافق على انتشار القوات المصرية على الضفة الشرقية لقناة السويس، وما كانت لتقبل وضع نَص يقضي بأن يقود الاتفاق المؤقت إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242.

لم يكن إحباط مبادرات السلام التي طرحها السادات راجعاً إلى افتقارها إلى الجدارة، بل لأن مصر اعتُبِرَت فاقدة لأي خيار عسكري يدعم هذه المبادرات. حتى أن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر نصح المصريين صراحة بأن أحداً لن يأخذهم على محمل الجد إلا إذا شنوا حربا. وفي فبراير/شباط 1973، نقل حافظ إسماعيل مستشار السادات لشؤون الأمن القومي إلى كيسنجر اقتراحاً لعقد اتفاق سلام شامل مع إسرائيل ــ وكانت تلك هي المحاولة الأخيرة لتفادي الصراع العسكري. وكان رد كيسنجر: “لا أستطيع أن أتعامل مع مشكلتكم ما لم تتحول إلى أزمة”.

وافترض الإسرائيليون من جانبهم أن العرب لن يفكروا في شن حرب إلا إذا كان لديهم الفرصة للفوز. وهذا هو السبب الذي جعل مائير تتجاهل تحذيراً صريحاً من قِبَل “أفضل أعداء إسرائيل”، حسين ملك الأردن، قبل عشرة أيام فقط من اندلاع حرب 1973، بأن المصريين والسوريين يجهزون لهجوم وشيك.

ولكن السادات لم يتوقع قط إلحاق هزيمة صريحة بإسرائيل، ولم تهدف استراتيجيته إلى تحقيق نصر عسكري. كان السادات يريدها حرباً سياسية، وهو التكتيك الكلاسيكي المتمم لاستراتيجية السلام التي انتهجها. كان يريد إطلاق عملية سياسية من خلال زعزعة ثقة إسرائيل بنفسها وشعورها بالرضا عن الذات وإرغام القوى العظمى على إحياء محاولات البحث عن تسوية.

إنه لدرس حزين من الشرق الأوسط أن أي انفراجة سلام كبرى لم تأت إلا كنتيجة للحرب. فقد أدت حرب 1948 إلى اتفاقات الهدنة في عام 1949؛ وكان لزاماً أن تسبق حرب يوم كيبور السلام الإسرائيلي مع مصر؛ وأن تسبق اتفاقات أوسلو حرب الخليج في 1990-1991 ثم انتفاضتين فلسطينيتين في عامي 1987 و1992.

اليوم، تبدو الجبهة الفلسطينية هادئة. ولكن يتعين على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن تتجنب تراخي حكومة مائير وشعورها بالرضا عن الذات في عام 1973. والاستخبارات العسكرية ليست بديلاً للحنكة السياسية وفن إدارة الدولة، وتظل سياسة السلام الجديرة بالثقة هي الوسيلة الأفضل لوقف الانزلاق إلى هاوية الحرب.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali

Copyright Project Syndicate


شلومو بن عامي وزير خارجة إسرائيل الأسبق، ويشغل الآن منصب نائب رئيس مركز توليدو للسلام. وهو مؤلف كتاب “ندوب الحرب وجراح السلام: المأساة الإسرائيلية العربية”.


For additional material on this topic please see:

Sinai: Implications of the Security Challenges for Egypt and Israel

Troubled Times for the Sinai Peninsula

War in History and in Fiction, with Michael B. Oren


For more information on issues and events that shape our world please visit the ISN’s Weekly Dossiers and Security Watch.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.