المجتمع الدولي الغائب

United Nations HQ - The Security Council Chamber
United Nations HQ, the empty Security Council Chamber. Photo: Matt Wootton/flickr.

نيويورك ــ كلما وقع حدث مؤسف ــ كأن تقترب إيران أكثر من امتلاك الأسلحة النووية، أو أن تطلق كوريا الشمالية صاروخاً آخر، أو أن تبلغ الوفيات بين المدنيين مستويات جديدة مروعة في الحرب الأهلية في سوريا، أو أن تكشف صور الأقمار الصناعية عن معدل مزعج ينذر بالخطر لذوبان الجليد القطبي ــ يسارع بعض المسؤولين والمراقبين إلى دعوة المجتمع الدولي إلى التحرك. ولكن هناك مشكلة واحدة: لا يوجد “مجتمع دولي”.

ويرجع جزء من السبب وراء هذا إلى غياب أي آلية قادرة على تمكين “العالم” من العمل بشكل جماعي. ولعل الجمعية العامة للأمم المتحدة تكون الأقرب إلى هذه الآلية، ولكننا لا نستطيع أن نتوقع الكثير من منظمة تساوي بين الولايات المتحدة أو الصين وبين فيجي أو غينيا بيساو على سبيل المثال.

من العدل أن نقول إن أولئك الذين أسسوا الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قرروا إنشاء مجلس الأمن كمكان تجتمع فيه القوى الكبرى لتقرير مصير العالم. ولكن حتى ذلك لم ينجح في تحقيق الهدف المرجو منه، ويرجع هذا جزئياً إلى أن عالم 2013 لا يشبه كثيراً عالم 1945. وإلا فكيف نفسر أن بريطانيا وفرنسا، ولكن ليس ألمانيا أو اليابان أو الهند، من الدول الدائمة العضوية والتي تملك حق النقض (الفيتو)؟

للأسف، لا يوجد اتفاق حول كيفية تحديث مجلس الأمن. لا شك أن بعض الجهود مثل مجموعة العشرين موضع ترحيب، ولكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة، فضلاً عن المعاناة من الحجم المفرط. والنتيجة هي “معضلة التعددية”: فإدراج المزيد من القوى الفاعلة من شأنه أن يزيد من شرعية المنظمة ولكن على حساب المنفعة التي تحققها.

إن أي قدر من إصلاح الأمم المتحدة لا يكفي لجعل الأمور مختلفة بشكل جذري. فالقوى الكبرى اليوم لا تتفق على القواعد التي يجب أن تحكم العالم، ناهيك عن الاتفاق على العقوبات عن مخالفة هذه القواعد. وحتى عندما يتم الاتفاق على المبادئ فإن هذا الاتفاق يتضاءل كثيراً في الممارسة العملية. والنتيجة هي عالم أكثر فوضى وخطورة مما ينبغي.

ولنتأمل هنا مسلة تغير المناخ. إن حرق الوقود الأحفوري يؤثر بشكل ملموس على درجة حرارة الأرض. ولكن تبين أن خفض الانبعاثات الكربونية أمر مستحيل، لأن مثل هذا الالتزام من شأنه أن يقيد نمو الناتج المحلي الإجمالي (وهو أمر بغيض بالنسبة للبلدان المتقدمة الغارقة في المصاعب الاقتصادية) وأن يمنع المليارات من البشر في البلدان النامية من الحصول على الطاقة والكهرباء، وهو أمر غير مقبول في نظر الصين والهند.

وقد تبدو جهود وقف انتشار الأسلحة النووية قضية أكثر تبشيراً في ما يتصل بالتعاون العالمي. فمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تحد من الحق في امتلاك الأسلحة النووية فتقصره على الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وبشكل مؤقت فقط.

ولكن الاتفاق في هذا الشأن أضعف مما يبدو. إن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تسمح للدول بحق تطوير الطاقة النووية لأغراض مثل توليد الكهرباء، وهي الثغرة التي تسمح للحكومات ببناء أغلب المرافق اللازمة لإنتاج الوقود المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية.

إن نظام التفتيش الذي تم إنشاؤه في عام 1957 تحت إشراف الهيئة الدولية للطاقة الذرية كان عبارة عن “كلمة شرف”؛ فالمفتشون لا يستطيعون تفتيش أي منشآت غير تلك المعلن عنها من قِبَل الحكومات المعنية. ومن الواضح أن الحكومات (مثل حكومة إيران) تدير بالفعل أنشطة نووية غير قانونية في مواقع سرية إما لا يعلم المفتشون الدوليون عنها أي شيء أو لا يمكنهم دخولها. وعلى نفس القدر من الأهمية، لا يوجد اتفاق حول التصرف الواجب عندما تنتهك دولة ما معاهدة منع الانتشار النووي، كما فعلت إيران وكوريا الشمالية (التي انسحبت من المعاهدة في عام 2003).

وبوسعنا أن نرى قدراً أعظم من التعاون الدولي على الساحة الاقتصادية. فقد شهدنا بالفعل تقدماً حقيقياً نحو خفض الحواجز الجمركية؛ كما أنشأت منظمة التجارة العالمية آلية لتسوية المنازعات التي قد تنشأ بين البلدان الأعضاء (159 دولة). ولكن التقدم في مجال توسيع التجارة الحرة على المستوى العالمي توقف، نظراً لاختلاف العديد من البلدان بشأن معاملة السلع الزراعية، وإلغاء إعانات الدعم، والتجارة في الخدمات.

ومن ناحية أخرى، بدأ للتو التعاون في مجال الفضاء الإلكتروني ــ بصعوبة. والولايات المتحدة هي الأكثر اهتماماً بالأمن السيبراني وحماية الملكية الفكرية وبنيتها الأساسية. أما الحكومات الاستبدادية فهي الأكثر انشغالاً بأمن المعلومات ــ القدرة على التحكم في المتاح على شبكة الإنترنت من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولا يوجد اتفاق حول ما يشكل الهدف المناسب للتجسس. كما يعمل انتشار اللاعبين غير الموالين لدول بعينها على تعقيد الجهود في هذا الصدد.

وتشكل المعاناة الإنسانية منطقة أخرى يتواجد فيها المجتمع الدولي بقدر أقل مما قد يبدو الأمر. إن الحكومات التي تهاجم مواطنيها على نطاق واسع، أو تسمح بتنفيذ مثل هذه الهجمات، تعرض نفسها لتهديد التدخل الخارجي. وقد أقرت الأمم المتحدة في عام 2005 هذه المسؤولية عن الحماية.

ولكن العديد من الحكومات تبدي تخوفها من أن يؤدي مبدأ المسؤولية عن الحماية إلى رفع التوقعات حول مبادرتها إلى التحرك، وهو ما قد يكون مكلفاً من حيث الأرواح، والإنفاق العسكري، والأولويات التجارية. وتخشى بعض الحكومات أيضاً من أن ينقلب مبدأ المسؤولية عن الحماية عليها. والواقع أن التحفظ الروسي والصيني بشأن الضغط على الحكومات التي تستحق اللوم والعقوبة ينبع جزئياً من مثل هذه التخوفات؛ وغياب الإجماع بشأن سوريا هو مجرد نتيجة واحدة لهذه التخوفات.

والأمر باختصار هو أن أولئك الذين ينتظرون من المجتمع الدولي أن يتعامل مع مشاكل العالم سوف يصابون بخيبة أمل. ولا ينبغي لهذا أن يكون سبباً لليأس أو أساساً للعمل بشكل أحادي. ولكن ما دام “المجتمع الدولي” أملاً مرجواً وليس واقعاً حقيقيا، فإن التعددية لابد أن تصبح أكثر تنوعا.

وفي مجال التجارة، يعني هذا عقد اتفاقات إقليمية وثنائية. ومن المنطقي في التعامل مع قضية تغير المناخ أن نسعى إلى عقد “اتفاقيات مصغرة” تضع معايير مشتركة للحد الأدنى من كفاءة استخدام الوقود، أو إبطاء إزالة الغابات، أو الحد من إنتاج الاقتصادات الكبرى للكربون.

في هذه المجالات وغيرها، سوف تحتاج الحكومات إلى تعبئة الجهود حول المشاريع الإقليمية، وتشكيل التحالفات من الراغبين، أو السعي ببساطة إلى إيجاد التفاهمات بين الدول بشأن بذل قصارى جهدها لتبني سياسات مشتركة. وقد تفتقر مثل هذه التوجهات إلى نطاق وشرعية التعهدات العالمية الرسمية، ولكنها تملك ميزة القدرة على الإنجاز.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Copyright Project Syndicate.

ريتشارد ن. هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “السياسة الخارجية تبدأ في الداخل: الحجة لصالح إعادة ترتيب البيت الأميركي”.


For additional reading on this topic please see:

The ASEAN Regional Forum: Beyond the Talk Shop?

The UN Intervention Brigade in the Democratic Republic of the Congo

EMU 2.0: On Standby Mode


For more information on issues and events that shape our world please visit the ISN’s Weekly Dossiers and Security Watch.

Time to Test Iran

This blog is republished here as part of our special holiday selection.

Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran
Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran. Photo: Podknox/flickr.

NEW YORK – Most of the debate about how to address Iran’s efforts to develop nuclear-weapons capacity focuses on two options. The first is to rely on deterrence and live with an Iran that has a small nuclear arsenal or the ability to assemble one with little advance notice. The second is to launch a preventive military strike aimed at destroying critical parts of the Iranian program and setting back its progress by an estimated two or more years.

But now a third option has emerged: negotiating a ceiling on the nuclear program that would not be too low for Iran’s government and not too high for the United States, Israel, and the rest of the world.

In fact, such an option has been around for years – and in several rounds of negotiations. What has changed, however, is the context. And changes in context can be critical; indeed, what happens away from the negotiating table almost always determines the outcome of face-to-face talks.

Es hora de poner a prueba a Irán

Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran
Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran. Photo: Podknox/flickr.

NUEVA YORK – El debate sobre cómo hacer frente a los intentos de Irán de desarrollar una capacidad de fabricación de armas nucleares se centra más que nada en dos opciones. La primera es confiar en el poder de disuasión y resignarse a convivir con un Irán que posea un pequeño arsenal nuclear o la capacidad de crearlo con poco preaviso. La segunda es lanzar un ataque militar preventivo para destruir componentes críticos del programa iraní y de ese modo retardar su avance (las estimaciones indican que se lo podría demorar por al menos unos dos años).

L’heure du test pour l’Iran

Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran
Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran. Photo: Podknox/flickr.

NEW YORK – L’essentiel du débat sur la manière d’appréhender les efforts de l’Iran vers le développement d’une capacité d’armement nucléaire tourne autour de deux options. La première consiste à s’appuyer sur la dissuasion et à choisir de vivre aux côtés d’un Iran disposant d’un arsenal nucléaire réduit ou d’une capacité à assembler celui-ci sans que nous en soyons informés longtemps à l’avance. La seconde consiste à lancer une intervention militaire préventive destinée à détruire les infrastructures critiques du programme iranien, et de faire reculer sa progression de quelques années.

Une troisième possibilité se dégage cependant désormais, à savoir négocier un plafond sur le programme nucléaire, qui ne se situerait ni trop bas pour le gouvernement iranien, ni trop haut en faveur des États-Unis, d’Israël et du reste de la planète.

En réalité, cette option est à l’étude depuis plusieurs années, et n’en est pas à sa première ronde de négociation. Le contexte est néanmoins différent aujourd’hui. Et les changements de contexte peuvent s’avérer tout à fait déterminants ; en effet, ce qui se produit loin de la table des négociations l’emporte presque toujours sur l’issue des discussions en face-à-face.

أوان اختبار إيران

Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran
Satellite imagery of suspected Fordo underground uranium enrichment facility in Iran. Photo: Podknox/flickr.

نيويورك ــ إن أغلب النِقاش الدائر حول كيفية التعامل مع محاولات إيران الرامية إلى تطوير قدراتها في مجال تصنيع الأسلحة النووية يركز على خيارين. الأول يتلخص في الاعتماد على الردع والتعايش مع إيران التي تمتلك ترسانة نووية صغيرة أو القدرة على تجميع السلاح النووي في فترة قصيرة. ويدور الخيار الثاني حول شن ضربة عسكرية وقائية تهدف إلى تدمير الأجزاء الحرجة من البرنامج الإيراني وعرقلة التقدم الذي أحرزته إيران بما يقدر بنحو عامين أو أكثر.

ولكن الآن ظهر خيار ثالث: التفاوض على سقف للبرنامج النووي، على ألا يكون هذا السقف منخفضاً بدرجة كبيرة بالنسبة لحكومة إيران أو مرتفعاً بدرجة أعلى مما ينبغي بالنسبة للولايات المتحدة، وإسرائيل، وبقية العالم.

الواقع أن هذا الخيار كان متاحاً لسنوات ــ وفي جولات عِدة من المفاوضات. ولكن ما تغير هو السياق. وأي تغيير في السياق قد يكون حاسما؛ بل إن ما يجري بعيداً عن طاولة المفاوضات يكاد يحدد في كل الأحوال تقريباً نتيجة المحادثات المباشرة.

ويتمثل أكثر التغيرات التي طرأت على السياق أهمية في تدهور الاقتصاد الإيراني بسرعة كبيرة. فقد أصبحت العقوبات المالية والمرتبطة بالنفط التي تم تنفيذها في الأشهر والسنوات الماضية موجعة إلى حد كبير. فهذه العقوبات ليست مصممة لعرقلة البرنامج النووي الإيراني بشكل مباشر، بل إنها تهدف إلى تضخيم الثمن الذي يتعين على زعماء إيران أن يتكبدوه نظير إصرارهم على ملاحقة طموحاتهم النووية. وكانت الفكرة (أو بدقة أكبر الأمل) تتلخص في أن الزعامات الإيرانية سوف تختار البقاء إذا اضطرت إلى الاختيار بين بقاء النظام أو امتلاك الأسلحة النووية.