Categories
Uncategorized

ثمن السلام

No más FARC – Bogotá – Punto Calle 127. Photo: Patton/Flickr.

مدريد- ان العلاقة بين السلام والعدالة كانت على الدوام موضوعا للنقاشات التي تنطوي على الاستقطاب فالبعض يجادل بإن السعي لتحقيق العدالة يعيق جهود حل الصراعات بينما يجادل اخرون ومن بينهم كبير المدعين في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بينسودا بإن العداله هي شرط مسبق للسلام وبينما يقود الرئيس خوان مانويل سانتوس كولومبيا للمشاركة في أفضل محادثات مبشرة بالخير خلال خمسة عقود من الصراع الوحشي مع القوات المسلحة الكولومبية الثورية ،فأنه يتوجب عليه النظر في هذه المسألة بشكل دقيق .

ان محاكمات نورمبرج والتي جاءت بعد الاستسلام غير المشروط لالمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية هي بمثابة نموذج مثالي لعدالة ما بعد الصراعات ولكن في الصراعات التي لم يهزم فيها أي طرف فإن وظيفة صانع السلام تنطوي على تحديات اكبر واذا اخدنا بعين الاعتبار ما هو موجود على المحك فإن ايجاد توازن بين المصالحة والمحاسبة سوف يصبح امرا لا مفر منه .

منذ سنة 1945 تم تسجيل اكثر من 500 حالة من العفو في الفترات الانتقالية بعد الصراع ومنذ السبعينات وافقت 14 دولة على اقل تقدير بما في ذلك اسبانيا وموزمبيق والبرازيل على منح العفو لأنظمة مدانة بانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان وفي جنوب افريقيا كان العفو عنصرا مهما لعملية “الحقيقة والمصالحة” والتي سهلت الانتقال السلمي من اكثر من اربعة عقود من حكم الاقلية البيضاء للديمقراطية.

لقد قام الرئيس النيجيري كذلك بمنح اللجوء لنظيره الليبيري شارلز تايلور بشرط ان يتقاعد تايلر من العمل السياسي وبذلك ساعد في انهاء الثوره ضده (في هذه الحالة العدالة اخذت مجراها وفي سنة 2012 قامت المحكمة الجنائية الدولية بادانة تايلور باحد عشرة تهمة تتعلق بالمساعدة في ارتكاب جرائم حرب في سيراليون مما جعله اول رئيس دولة سابق تتم ادانته بمثل تلك الجرائم من قبل محكمة دولية منذ نورمبرج).

بالرغم ان من المؤلم تقديم الخروج الامن لمجرمي الحرب واولئك الذين ينتهكون حقوق الانسان فإن امكانية انهاء معاناة المدنيين تحتل الاولوية مقارنة بتسجيل موقف مبدئي بالنسبة للعدالة فمن اليوم سيعارض تقديم عفو للرئيس السوري بشار الاسد لو كان هذا العفو سوف ينهي الحرب الاهلية الوحشية والتي ادت الى مقتل اكثر من مائة الف شخص وخلفت حوالي مليوني لاجىء بما في ذلك اكثر من مليون طفل خلال سنتين فقط ؟

ان هذه بالضبط هي المعضلة التي يواجها سانتوس الان فلو اخذنا بعين الاعتبار الفظائع التي ارتكبتها القوات المسلحة الكولومبية الثورية فإن امكانية تعليق العقوبة هي مسألة صعبة القبول ولكن اطالة امد الصراع والذي ادى الى مصرع اكثر من 200 الف شخص وتشريد حوالي خمسة ملايين انسان ليس من مصلحة احد.

نظرا لكون الاتفاق الاخير في كولومبيا والمتعلق بالاصلاحات الزراعية قد نجح في تسوية السبب الرئيسي للصراع فإن مسألة العدالة الانتقالية قد اصبحت العامل الحاسم فيما اذا كانت عملية السلام سوف تنجح. لو ساعدت الحصانة من العقاب لمرتكبي الجرائم ضد الانسانية مهما كانت تلك الجرائم بغيضة من الناحية الاخلاقية ، على حماية ضحايا مستقبليين محتملين وذلك بانهاء الصراع فإن القبول بمثل هذه النتيجة يستحق التضحية بالعدالة للضحايا السابقين.

عوضا عن اطلاق حملة لا مساومة فيها من اجل هزيمة المتمردين قام سانتوس بتبني المسار الاكثر تحديا من الناحية السياسية وهو التسوية التي يتم التوصل اليها عن طريق التفاوض . ان هذا يعكس وجود ارادة لعمل كل ما يلزم من اجل حماية المجتمعات الريفية والتي عانت لفترة طويلة من استمرار العنف.

ان من المؤكد ان سانتوس لن يكون اول رئيس دولة يلجأ للصمت فيما يتعلق بمسألة المحاسبة ففي سنة 2003 رضخت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي للاتفاق الذي انهى رسميا الحرب الاهلية في جمهورية الكونجو الديمقراطية والتي ادت الى مصرع حوالي اربعة ملايين انسان بالرغم من الاتفاقية كانت تفتقر الى بنود لمحاسبة مجرمي الحرب والامر نفسه ينطبق على اتفاقية السلام الشاملة في السودان سنة 2005 والتي انهت 22 سنة من الحرب الاهلية والذي نتج عنها مصرع اكثر من مليوني انسان.

في هذه الحالات –كما في كولومبيا اليوم –فإن أي مقاربة متشددة للعدالة الانتقالية لن تكون مجدية فالعدالة يجب تطبيقها طبقا لظروف سياسية محددة نتج عنها هذا التحول فالعدالة الانتقالية هي بالضرورة حل سياسي وعقد تاريخي للمصالحة الوطنية وليست مسألة قضائية صرفة.

بالنسبة لسانتوس فإن التوفيق بين السلام والعدالة ضمن سياق سياسي محلي معقد قد يتطلب صيغ بديلة مثل احكام مخفضة أو عقوبات مجتمعية أو احكام مشروطة أو اللجوء في بلدان اخرى ولكن أي من تلك الخيارات ناهيك عن العفو يجب ان لا يتم السماح به ما لم يتعاون المتمردين المسرحين بشكل كامل مع المحاكم بما في ذلك الكشف عن جرائمهم .

لقد تبنى قائد القوات المسلحة الكولومبية الثورية بابلو كاتاتومبو هذا المنطق عندما اقر بالاعمال القاسية والمؤلمة والتي ارتكبها المقاتلون وطالب بعفو جماعي يشمل جميع انتهاكات حقوق الانسان والتي تم ارتكابها من القوات المسلحة الكولومبية الثورية وقوات الامن الحكومية . لقد اصر كذلك على تحديد الضحايا وتعويضهم كشرط مسبق للسلام والمصالحة الوطنية .

عندما تكون جهود تسوية الصراعات على المحك فإن اي مسعى فردي للعقاب عادة ما يكون الخيار الخاطىء. لقد وصف رئيس الاساقفة ديزموند تيتو وهو احد قادة التحول الديمقراطي في جنوب افريقيا البديل- العدالة التصالحية- والتي تركز على “معالجة الخروقات وتصحيح الاختلال في التوازن واعادة العلاقات المقطوعة “. لو وضعنا بعين الاعتبار هذا الفهم البناء والتقدمي للعدالة فإن بامكان سانتوس كذلك ان ينجح وبالتالي يحقق مستقبل سلمي وآمن يستحقه الكولومبيون

Copyright Project Syndicate


شلومو بن عامي وزير خارجية اسرائيلي سابق وهو يعمل الان كنائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام وهو مؤلف كتاب ندوب الحرب وجروح السلام : المأساة الاسرائيلية-العربية.

For additional reading on this topic please see:

The Search for a Negotiated Peace in Colombia and the Fight Against Illegal Drugs

Ominous Inevitabilities

A Possible Peace Process with the ELN in Colombia

 


For more information on issues and events that shape our world please visit the ISN’s Weekly Dossiers and Security Watch.